القرطبي

97

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : فلما أحسن عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ( 52 ) قوله تعالى : ( فلما أحسن عيسى منهم الكفر ) أي من بني إسرائيل . وأحس معناه علم ووجد قاله الزجاج . وقال أبو عبيدة : معنى " أحس " عرف ، وأصل ذلك وجود الشئ بالحاسة . والاحساس : العلم بالشئ ، قال الله تعالى : " هل تحس منهم من أحد " [ مريم : 98 ] ( 1 ) والحس القتل ، قال الله تعالى : " إذ تحسونهم بإذنه " [ آل عمران : 152 ] ( 2 ) . ومنه الحديث في الجراد ( إذا حسه البرد ) . ( منهم الكفر ) أي الكفر بالله . وقيل : سمع منهم كلمة الكفر . وقال الفراء : أرادوا قتله . ( قال من أنصاري إلى الله ) استنصر عليهم . قال السدي والثوري وغيرهما : المعنى مع الله ، فإلى بمعنى مع ، كقوله تعالى : " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم " [ النساء : 2 ] ( 3 ) أي مع . والله أعلم . وقال الحسن : المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله ، لأنه دعاهم إلى الله عز وجل . وقيل : المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله عز وجل . فإلى على هذين القولين على بابها ، وهو الجيد . وطلب النصرة ليحتمي بها من قومه ويظهر الدعوة ، عن الحسن ومجاهد . وهذه سنة الله في أنبيائه وأوليائه . وقد قال لوط : " لو أن لي بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد " [ هود : 80 ] ( 4 ) أي عشيرة وأصحاب ينصرونني . " قال الحواريون نحن أنصار الله " أي أنصار نبيه ودينه . والحواريون أصحاب عيسى عليه السلام ، وكانوا اثنى عشر رجلا ، قاله الكلبي وأبو روق . واختلف في تسميتهم بذلك ، فقال ابن عباس : سموا بذلك لبياض ثيابهم ، وكانوا صيادين . ابن أبي نجيح وابن أرطاة : كانوا قصارين فسموا بذلك لتبييضهم الثياب . قال عطاء : أسلمت مريم عيسى إلى أعمال شتى ، وآخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قصارين وصباغين ، فأراد معلم عيسى السفر ، فقال لعيسى : عندي ثياب كثيرة مختلفة الألوان وقد علمتك الصبغة فاصبغها . فطبخ عيسى حبا ( 5 ) واحدا وادخله جميع الثياب وقال : كوني : بإذن الله على ما أريد منك . فقدم الحواري والثياب كلها في الحب فلما رآها قال : قد أفسدتها ،

--> ( 1 ) راجع ج 11 ص 162 . ( 2 ) راجع ج 4 ص 235 . ( 3 ) راجع ج 5 ص 10 . ( 4 ) راجع ج 9 ص 78 . ( 5 ) الحب بالضم : الخابية .